رأي المصري

محمد زيان يكتب : ماكرون وحقوق الانسان وعام مصر فرنسا .. دلالات وملاحظات !

فجرت زيارة الرئيس الفرنسي “  إيمانويل ماكرون ” لمصر

جدلاً كبيراً على الساحتين المحلية والدولية ، لاسيما بعد

حديثه – المعلن – في المؤتمر الصحفي المشترك بقصر

الاتحادية – عن حالة حقوق الانسان في مصر وضرورة

النظر اليها ، بشكل فرض نفسه على الباحث لضرورة

تحليل ما أنتجته هذه الزيارة من جدل وبالأخص الكلام عن

حقوق الانسان والمدونين ، وأسئلة الصحفيين الفرنسيين وما

أعقبها من ردود الرئيس السيسي ، وما تبعها من أسئلة

الصحفيين المصريين أيضاً ؟ 

الزيارة خلفت بعدها حالة من الجدل والتلاسن على

المستويات الاعلامية  والحقوقية المصرية والفرنسية ،

تجاوزها الأمر إلى ردة فعل أو تفاعل شعبي مع كلام كلا

الرئيسين ، فتحرك الشارع المصري تفاعلاً ونظيره الفرنسي

للتعاطي مع الحدث ، ويطرح هذا المقال تساؤلاً أساسياً

حول الأسباب والمغزى والناتج نوضحه في الملاحظات

التالية : 

أولاً : لماذ إقترب ماكرون من هذا الملف بهذا الأسلوب ؟ 

  

المعروف أن العلاقات الفرنسية المصرية  تتسم بالقوة

والتطوير منذ صعود الرئيس إيمانويل ماكرون للحكم في

١٤ مايو ٢٠١٧ م ، وبدا هذا واضحاً خلال اللقاء الأول

الذي جمعه بالرئيس عبد الفتاح السيسي في ٣٠ أكتوبر

من نفس العام خلال الزيارة التي قام بها الرئيس المصري

لفرنسا ، وبدت تفاهمات على مستويات كثيرة منها

العسكرية ، الإقتصادية ،والتنسيق الأمني المشترك وتبادل

المعلومات في ملفات وقضايا مشتركة ، منها الملفين الليبي

والسوري ، فضلاً عن تبادل المعلومات فيما يخص محاربة

الإرهاب والهجرة غير الشرعية باعتبارهما ملفان يؤرقان

الأمن الأوروبي عموماً والفرنسي بصفة خاصة وتريد

استثمار الخبرة والمواجهة المصرية بتنسيق طويل الأجل . 

مرحلة مهمة في مسيرة العلاقات كانت في زيارة الرئيس

السيسي لفرنسا – ٢٩ أكتوبر ٢٠١٧ م – ولقاء نظيره

الرئيس ماكرون ، وفي المؤتمر الصحفي رد الأخير على

سؤال أحد الصحفيين الذي سأل السيسي عن حقوق

الأنسان في مصر ” بأننا لانعطي دروساً لأحد “! 

إذن الموقف الفرنسي حتى هذا اللقاء كان من جانب الادارة

الفرنسية تجنب الحديث في هذا الملف مع الرئيس المصري

، تقديراً منه للظروف التي تمر بها الدولة المصرية من

ظروف استثنائية لأيمكن اعتبارها مرحلة مستقرة ، فضلاً

عن وقوف الاليزيه على حقيقة الأوضاع في مصر 

ومقارنتها بما تتعرض له فرنسا من ارهاب بما جعلها تلجأ

لظروف استثنائية لفرض الطوارىء ، أضف إلى ذلك قراءة

الرئيس ماكرون لتاريخ الجمهورية الفرنسية ودرايته بملف

حقوق الانسان واعتذاره الأخير بموجب بيان رسمي صادر

من قصر الاليزيه في ١٣ سبتمبر ٢٠١٨ الماضي ، فقد

اعتذر عن اغتيال فرنسا موريس أودان “  الناشط الشيوعي

الفرنسي الذي كان يدافع عن استقلال الجزائر العام

1957 في العاصمة الجزائرية ، بعد اختطافه وتعذيبه 

وغيرها من الجرائم التي ارتكبت في هذا الشأن وجرائم

التعذيب والانتهاكات والاغتيالات حتى خارج أراضيها

ومنها على أراضي  المغرب على سبيل المثال  حين اغتالت

مهندساً ألمانياً كان يعمل دبلوماسياً ، مروراً بماشهدته

مظاهرات نوفمبر ١٩٦٨وما ينسب لها من اغتيالات بحق

٢٢ زعيم أفريقي ، ومحاولات اغتيال رؤساء الجزائر هواري

بومدين وبوتفليقة ، والتواطئو مع اسرائيل في اغتيالات

شخصيات فلسطينية في تونس وباريس منها أبوجهاد

والمبحوح،  فضلاً عن اغتيال عالم الذرة المصري ” يحي

المشد ” الذي قتل بحجرته بفندق  في باريس في

١٩٨٠/٦/١٤  ، ورئيس بوركينافاسو “توماس سانكرا 

١٩٨٧/١٠/١٥م ، وماكان من  المساهمة في إسقاط صدام

، وقتل القذافي ، والذي فعله مستشاره الأمني ” ألكسندر

بن الله ” في الأول من مايو الماضي ، وموقفه من ضرورة

ملاحقة المخربين إبان اندلاع مظاهرات السترات الصفراء ،

حين وقف عند قوس النصر ٢ ديسمبر ٢٠١٨  وقال “لن

نسكت على المخربين ولا نريد فرنسا ان تدمر ” ، وفي ١٠

ديسمبر  قال ” من غير مقبول ولن يكون هناك اَي غفران

للذين قدموا العنف .. وحين بدأ العنف انتهت الحرية “!

من هذه التقدمة وددت الإشارة إلى حقيقة الموقف الفرنسي

-لدى الرئيس ماكرون -الذي يعرف تماماً حقيقة الوضع في

مصر بالمقارنة بفرنسا ،ومن ثم التعاطي مع هذا الواقع

بدراية تامة . 

ماذا حدث ؟

الذي حدث أن قصر الاليزيه شهد خلال الأيام السابقة على

زيارة الرئيس ماكرون لمصر ،زيارات وتردد من جماعات

ومنظمات عديدة ،منها من قابل الرئيس شخصياً وسلموه

تقارير -مبالغ فيها – عن حقيقة الأوضاع في مصر ، وهناك

مؤسسات وقوى تمارس الضغوط عليه مدفوعة بدور دولي

من قوى لها مصالح في افشال هذا التقارب المصري

الفرنسي الذي حققته دبلوماسية الرئيسان في فترة وجيزة ،

وجاء  الضغط علي ماكرون من منظمات حقوقية سلمته

تقارير حول حقوق الانسان في مصر ، وان هناك انتهاكات

جرت وقمع متزايد للمواطنين واستخدام الاسلحة والأدوات

التي تشتريها مصر من فرنسا للحد من الحريات العامة . 

وكان قد سبق الزيارة -كما أشرت – عدة مؤتمرات وندوات

وتقارير من هذه المنظمات الخقوقية ،منها المدعومة دولياً

للشوشرة على زيارة ماكرون وهذه المحطة المهمة في تاريخ

علاقات مصر بفرنسا ،وبدت هذه الضغوط أيضاً من قوى

يقلقها التعاون العسكري بين البلدين وفي مقدمتها الولايات

المتحدة ،وظهر هذا جلياً منذ حديث الرئيس السيسي لقناة

cbs الأمريكية ، ففي باريس لوبي أمريكي ضد فرنسا

في بناء علاقتها بمصر  بدأت تأخذ شكلاً أكثر وضوحاً منذ

الحديث التليفزيوني للسيسي كما وضحت ، يسعى

هذا اللوبي لتقويض علاقات فرنسا بمصر تحديداً ،

ويرفض إعادة انتاج للدور الأوروبي في الشرق . 

في المؤتمر الصحفي : 

كان طبيعياً على مدار النظم والعصور السابقة أن توجه تلك

الملاحظات المتعلقة بحالة حقوق الانسان بين الرؤساء في

الغرف المغلقة ،والاجتماعات الثنائية غير المعلنة ، ويكون

الحديث في هذا الملف بعيداً عن الكاميرات ووسائل الإعلام

، لكن جاء حديث الرئيس “ماكرون ” عن حقوق الانسان

في مصر علنياً وأمام الكاميرات وبحضور الصحف

والتليفزيونات ، وأعقبه ردود الرئيس السيسي -واقعية في

حد كبير  حسب وصف المحللون والإعلام الفرنسي –

وبعدها استدرجت  وسائل الاعلام المصرية والفرنسية

للتلاسن واحداث الحالة التي رأيناها للشوشرة على هذه

الزيارة التاريخية وجر العلاقات الفرنسية المصرية الى مربع

الصفر والتشويش على ما قد يتم انجازه خلال وجود

ماكرون في القاهرة ، وحدث هذا الاستدراج بما تبعه من

حالة إعلامية كشفت كثير من العورات على مستويات

الثقافة والتثقيف والكفاءة والمهنية وقراءة التاريخ ، فضلاً

عن مزاولة الشاشة الاعلامية في مصر لهذا التشويش على

الزيارة بعد أن تم جرها بالفعل الى مربع الدفاع وكشف

انتهاكات فرنسا لحقوق الانسان في مظاهرات السترات

الصفراء بما يشبه ” المعايرة ” دون السؤال في صلب

القراءة التاريخية وربطها بأهمية التقدم للأمام والدراية

بعامل الوقت في علاقة مصر بفرنسا . 

الخلاصة : 

كاد السجال الحقوقي أن يحدث شوشرة على العلاقات

المصرية الفرنسيةً – وهو المطلوب اثباته – لدى اللوبي

المناهض لمتانة وقوة العلاقات الفرنسية المصرية وما وصلت

اليه ، وتم سحب الاعلام واستدراجه لمنطقة الهجوم من كلا

الطرفين للشوشرة على الزيارة الأولى للرئيس ماكرون الى

مصر ، ولكن  تفاهمات القادة حالت دونما التطور في هذا

المنحنى الخطير ، وكان علينا ان نفتش عن الإيجابيات في

هذه الزيارة ونعظم منها لتجاوز امكانات التصادم وسوء

الفهم ، وكشف نقاط القوة  في علاقات  البلدين لتفويت

الفرصة على المتربصين واللوبي الراصد والدافع لهذا

الاستدراج والانزلاق للتشويه على الزيارة ووقف تقدم

علاقات البلدين الى الأمام . 

من خلال المتابعة نرى أنه حتى الان لم نشاهد أو نقرأ

المشاهد أو الرؤى الإعلامية والمواد التي تساعد على تقوية

المشهد الاقتصادي الثقافي والحضاري بين البلدين في

إطار ” عام مصر فرنسا ” أو ” عام الثقافة الفرنسية

بمصر “، إذ أن الأهمية التاريخية لزيارة الرئيس الفرنسي

تكمن مضامينها في نواحي عدة ومجالات شتى ،

ومسارات كثيرة للتعاون بين البلدين يجب البناء علي هذه

الزيارة وليس رشقها بالحجارة أو زر الرماد عليها ،  وعليه

فإن : 

 إنجاز العلاقة المصرية الفرنسية للتقدم للأمام ، وفتح مزيد

من العلاقات مع دول اخري لتطوير العلاقات علي هذا

المستوى يتطلب عملية شاملة في حقل الإعلام ، على غرار

العملية الشاملة التي تجري في سيناء ، لإعادة إنتاج إعلام

قوي مهني يعتمد على الخبرات ولكفاءات، داخلياً وخارجياً

  في المكاتب الخارجية لتسويق مصر سياسياً وثقافياً

وحضارياً من خلال برامج موضوعة بطريقة علمية مدروسة

ومن خلال عقول وخبرات لتصدير مصر بشكل وطرق تليق . 

. يتبع النقطة السابقة عملية فرز شاملة وإعادة صياغة

للخارطة السياسية والإعلامية وإعادة النظر في هامش

النقد والحرية الممنوح للصحافة والإعلام ، هذا مطلوب

عندما تقرأ إحصاءات هروب المشاهدين للبرامج الاعلامية

المصرية لقنوات الشرق ومكملين لغياب النقد من الوسائل

المصرية ،مع الأخذ في الاعتبار وضع قيادات الموسسات

الصحفية والإعلامية تحت التطوير وعمل تقرير اداء يشبه

تلك التي يقدمها المحررون لرؤسائهم ولكن على المستوى

الأشمل وهو المسئولية الوطنية ،وعملية فرز موسعة هلى غر

ار إزاحة بعض القيادات التي لم تثبت كفاءة واحتراف في

جر مؤسساتها للأمام وتطويرها اللازم . 

يبقى اعادة انتاج موسسة حقوقية مصرية خارج مصر

تقوم بعملها الشعبي كظهير للدولة المصرية في عرض

مواقفها وطروحاتها حول القضايا الحقوقية محل الجدل

والتي تثار لي الدول الأوروبية لكي تكون هناك ردود

وحضور حقوقي شعبي بالخارج على شاكلة ماحدث عقب

٣٠ يونيه ، وبخاصة مع عودة النشاط المتطرف واستخدام

الدرع الحقوقي للتمترس خلفه وتبرير نشاطات القتل

والإجرام التي يرتكبها بسن الحين والآخر ، والتشويش على

الأحكام القضائية التي تصدر ضد المنتمين لهذه الجماعات

تحت لافتة حقوق الانسان . 

وأخيراً ، فإن مقتضيات هذا الأمر مع ما تواجهه

الدولةرالمصرية الآن من إعادة تفجير وتفخيخ وارتكاب

عمليات نوعية وتصدير المشهد للرأي العام على أنه فساد

حكومي ،يحتاج من الدولة عملية فرا شاملة في القطاعات

الهامة والحساسة ، منتا إعادة ترتيب الإعلام الخارجي –

غير موجود – والنشاط الحقوقي المصري بالخارج – كما

أسلفت – وترتيب الخارطة الصحفية والإعلامية في الداخل

والمؤسسات التي تقدم صورة الدولة القوية وفرز المسئولين

وأصحاب المناصب على أساس أهل الخبرة ،وإزاحة الأهل

والأقارب والفاسدين من المناصب ، حتى تستطيع مصر

مواجهة الموجة القادمة من محاولات التشويه والاستهداف . 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
إغلاق
إغلاق