رأي المصري

المستشار ” عماد أبوهاشم ” يكتب من تركيا عن فُض إعتصام رابعة

بالأدلة و القرائن : الجيش لم يُفْرِطْ في استخدام القوة 

” وَضَعْتُ قطعة ثلجٍ على رأسى خَفَّفَتْ قليلًا من قيظ الشمس الحارق في ميدان رابعة العدوية ، و تناسيتُ ـ للحظةٍ ـ  ظمأ الصيام في شهر رمضان ،  انتفضتُ واقفًا أنظر إلى أسطح العمارات التي تُطوِّق الميدان ، و قلتُ لهم : إن الجيش إذا أقدم على استخدام القوة فى فض الاعتصام فإنه سيستخدم قناصةً تعتلى هذه الأسطح و تطلق النار على المعتصمين .

كانت فترة خدمتى كضابط استطلاعٍ بالجيش قد نَمَّتْ لدىَّ ملكة انتقاء الأسلوب الأمثل لإدارة العمليات من خلال الاستفادة بالإمكانيات التي توفرها الظروف الطبوغرافية للمكان ، و كانت القاعدة الأساسية التي كنتُ أعلمها للجنود فى التدريبِ على الكمين و الإغارة و استطلاع العدو عن قربٍ أو خلف خطوط دفاعاته تَنْصَبُّ على الاستفادة من الطبيعة الجغرافية لأرض العمليات قدر الإمكان بغية إنجاز المهام المُوْكلة إليهم بأعلى قدرٍ من الكفاءة القتالية و أقل قدرٍ من الخسائر .

سِرْتُ بضعة خُطواتٍ إلى الأمام و أنا أنظر للأعلى و عُدْتُ إليهم قائلًا : إن اختيار هذا المكان كارثىٌّ حقًّا ، رمقنى أحدهم و هو يصيح قائلًا : بل إنه اختبارٌ عبقرىٌّ ، ألا ترى أن مكان الاعتصام يُشْرفُ على العديد من المنشآتِ العسكرية و الطرق الهامة و هو ما يتهدد المؤسسة العسكرية برُمتها ؟ هكذا يتربى الإخوان على أن كل اختيارات أئمتهم عبقريةٌ فَذْةٌ بالضرورة ، فالأئمة ـ عندهم ـ هم من أحاطوا بكل شئٍ علمًا و أحصوا كل شئٍ عددًا ، إنهم العارفون ببواطن الأمور و ظواهرها العالمون بالطب و الهندسة و الزراعة و السياسة و الفلك .

ارتسمَتْ على وجهى ابتسامةُ لم تكتمل و قلتُ له : إن التهديد الذى يشكله هذا الاعتصام للمنشآت العسكرية التي يُشْرفُ عليها بالإضافة إلى المعاناة التي يسببها للسكان في محيطه قد تُشَكِّل ضغطًا على المؤسسة العسكرية ربما يودى إلى لجوئها إلى استخدام القوة ، و لاسيما أن اختيار هذا المكان لا يوفر أىَّ حمايةٍ للمعتصمين ، فلماذا لا تلجأون إلى مكانٍ مناسبٍ آخر لتعتصموا به ؟

و استطردتُ قائلًا : إن أىَّ قائدٍ عسكرىٍّ ـ إذا ما تقرر استخدام القوة لفض الاعتصام ـ سيلجأ حتمًا إلى الاستفادة من الظروف المكانية التي يوفرها مسرح العمليات لإنجاز مهمته على أكمل وجهٍ و بأقل خسائر ممكنةٍ و لن يكون أمامه من خياراتٍ سوى انتهاج الخطة التي شرحتُها لكم .

ما الذى يحمله على الدخول مع هذه الحشود في مواجهةٍ تصادميةٍ يتكبد خلالها خسائر فادحةً في القوات و العتاد ثم تكون النتيجة ـ بعد ذلك ـ أن يتفرق المعتصمون ليجتمعوا في مكانٍ أو أماكن أخرى محدثين أثناء ذلك تخريبًا واسعًا للمنشآت الحيوية كالمنشآت العسكرية التي يظن قادتكم أنهم يلوون ذراع الجيش بها  ـ أو تخرج الأمور عن السيطرة بتشرذم هذه الحشود لتدخل مع القوات فيما يُعْرَفُ بحرب الشوارع فتزداد احتمالات ارتفاع حجم الخسائر في أرواح المدنيين و ممتلكاتهم فى مناطق سكنيةٍ كهذى ؟ 

لو كنتَ ـ أنتَ ـ  مكان من يخطط لفض الاعتصام ، فأي الخطتين تختار: استخدام القناصة من فوق أسطح العمارات مع ما يوفره من نتائج مؤكدةٍ و خسائر أقل في القوات و العتاد و المنشآت و في أرواح المدنيين و ممتلكاتهم أم اللجوء إلى المواجهة التصادمية التي لا توفر إلا نِسَبًا ضئيلةً للنجاح مع ازدياد احتمالات وقوع خسائر فادحةٍ على كافة الأصعدة و انقلاب المواجهة إلى حرب شوارع ضَروسٍ تأكل الأخضر و اليابس ؟

لم يكن مطروحًا للنقاش ـ ساعتَها ـ بحث إمكانية استخدام الطرق البدائية لفض الاعتصامات مثل خراطيم المياه و الطلقات المطاطية و قنابل الغاز لتَيَقُّنِ الجميع بعدم جدواها في إحداث الأثر الحاسم لاستخدام القوة في مكان وزمان الاعتصام   .

 

فبالنسبة لاستخدام خراطيم المياه فإن طبيعة ميدان الاعتصام لا تسمح بنجاح ذلك لاتساع رقعة مكانه و توافر الشوارع الجانبية التي يمكن اتخذاها سواتر تقى المعتصمين شدة ضغط المياه ، فضلًا عن أن الظروف المناخية المتمثلة في ارتفاع درجات الحرارة إلى أقصى معدلاتها فى صيف ذلك العام كانت تدفع بالمعتصمين إلى سكب المياه فوق أجسادهم تخفيفًا لوطأة الحر ، و بالتالي فإن الحصول على الماء البارد كان جُلَّ مبتغاهم لمواصلة الاعتصام .

أما عن استخدام قنابل الغاز فإنه باعتراف نفرٍ من قادة الاعتصام أن الإخوان أعدوا براميل مَلَؤوها بالمياه ليغمروا فيها القنابل التي تُلقَى عليهم إبطالًا لأثرها ، كما أن اتساع رقعة مكان الفض و إمكان استخدام الكِمامات و الأَوقية القماشية كان سيُضعِفُ حتمًا من تأثير الغاز المنبعث ليؤدى في النهاية ـ كما في الحالة السابقة ـ إلى فشل عملية الفض مع ما يستتبع ذلك من ردود أفعالٍ عدائيةٍ مرتدةٍ من جانب المعتصمين  .

و أخيرًا فإن استخدام الطلقات المطاطية فقط أو مع خراطيم المياه و قنابل الغاز كان سيؤدى إلى ذات النتيجة المترتبة على المواجهة التصادمية التي بيناها آنفًا .

عند القفز في الماء عليك أن تَحْرِصَ ألا تصطدم بالحَيْد المَرجانى ، و عند الخوض في النقاش فعليك أن تحرص ألا تصطدم بالحَيْد الإخوانى ، فالنتيجة في القفزتين واحدة ،      انتهى الحوار بيننا و هو يقول : ” و الله غالبٌ على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون ” ، فآثرتُ السكوت ، و لكننى قلتُ له في نفسى : مالكَ أنتَ و لأمر الله ، دع ما للهِ لله و اسعَ أنتَ لتكون غالبًا على أمرك ، فإن صادف سعيُك مراد الله و أمره نلتَ ما تبتغى ، و إن لم يصادف سعيُك مراد الله و أمره فقد أديت واجبك و هذا حسبك .

وفقًا لما تقدم و للحقائق التى تكشفت مؤخرًا ، كيف نتهم المؤسسة العسكرية بالإفراط في استخدام القوة  و قد صبرتْ على تعنتِ الإخوان و تهديداتهم الفجة قرابة الشهر و النصف سلكت ـ خلالهما ـ كل الطرق الممكنة لإنهاء الاعتصام ودِّيًّا بل إنها خالفت القواعد و التعليماتِ العسكرية و أفشتْ ساعة الصفر لعملية الفض إلى قادة الإخوان قبل يومٍ من حلول ميقاتها عَلَّهم إلى الحق يرجعون لكنهم تكتموا عليها و استمروا في طغيانهم يعمهون ؟

كيف نتهم المؤسسة العسكرية بالإفراط في استخدام القوة إزاء إصرار الإخوان على اتخاذ المعتصمين دروعًا بشريةً يحققون من خلالها نموذج غاندى في الهند الذى طالما رَوَّجوا له طيلة فترة الاعتصام قولًا بأنهم سيُوْقِفون على المذبح عشرات الآلاف من القرابين استعدادًا للذبح في سبيل الله فراحوا يستنفرونها لذلك كما فعلوا فى أحداث الحرس الجمهورى و النهضة  ؟  

إن القاتل الحقيقىَّ هو من دفع آلاف الناس المُغَرَّرِ بهم إلى الوقوف في وجه القطار و لم ينذرهم بالابتعاد عن طريقه رغم علمه بميقات قدومه الذى كان يستعجله و يتمناه و ليس سائق القطار الذى لم يكن له من خيارٍ سوى المضي قدمًا في طريقه و إلا انقلب القطار بركابه الأبرياء من أجل حفنةٍ من المجرمين حاولوا اعتراض طريقه دون وجه حقٍ ، فإذا كنتَ ـ أنتَ ـ سائق القطار فأى الفريقين تفتدى ؟

كيف نتهم المؤسسة العسكرية بالإفراط في استخدام القوة و قد ثبُتَ أن من بيده القرار في قيادتها العليا لم يكن يرغب ـ على الإطلاق ـ في استخدام القوة في فض الاعتصام و لكنه اضطُر إلى ذلك بعدما أيقن أنه يسير مع هؤلاء في طريقٍ مسدود ، و لا أدَلَّ على ذلك من إصرارهم على الدفع بالمعتصمين إلى الموت المُحَتَّم طيلة ساعات الفض إذ كان بإمكانهم منذ إطلاق   الرصاصة الأولى أن يطلبوا الخروج الآمن للمعتصمين الذين لم يكن لهم ـ يومها ـ حولٌ و لا قوة أو على الأقل كان عليهم أن يطلبوا ذلك للنساء و الأطفال ، لكنهم لم يفعلوا هذا و لا ذاك بل وقفوا بدمٍ باردٍ يتهددون و يتوعدون ثم دفعوا بالناس ـ بعدها ـ إلى ميدان رمسيس ليلقوا ذات المصير . 

 

كيف نتهم المؤسسة العسكرية بالإفراط في استخدام القوة و لم يكن أمامها من خيارٍ لحماية أمن الوطن و المواطنين سوى اللجوء إلى استخدام القوة لإنجاز مهمة فض الاعتصام بأقل خسائر ممكنة ، و لم يكن لها من خيارٍ ـ أيضًا ـ لتحقيق ذلك سوى استخدام القناصة من فوق أسطح العمارات الموجودة في محيط ميدان رابعة ، و إن لم تفعل ذلك و انتهجت خطةً بديلةً لمُنِيَت العملية بالفشل الذريع أو لانقلبت الأمور رأسًا على عقبٍ و دخلت البلاد في حرب شوارع تُكَبِّد الوطن أفدح الخسائر كما بَيَّنَّا آنفًا .

فإذا كنتَ ـ أنتَ ـ ستضع خطةً لفض اعتصامٍ في ذات المكان و الزمان  و كنتَ بالخيار بين أن تتكبد أفدح الخسائر في  قواتك و عتادها و في أرواح المدنيين و ممتلكاتهم وفق خطةٍ تتضاءل احتمالات نجاحها بدعوى انقاذ أرواح المستهدفين بنيرانك و بين أن تتوقى ذلك كلَّه بخطةٍ ترتفع احتمالات نجاحها ، فأيهما تختار : الحفاظ على قواتك و عتادها و أرواح المدنيين و ممتلكاتهم  أم التضحية بكل هذا من أجل إنقاذ من يسعون للإضرار بأمن الوطن و المواطنين ؟

أعرِف أن رجال المؤسسة العسكرية يميلون إلى الصمت أكثر منه إلى الكلام ، و لكن من حقنا أن نعرف الحقيقة كاملةً بدلًا من أن يزوِّرَها علينا هؤلاء المارقون المُدلِّسون  ليجد الناس ـ و أنا واحدٌ منهم ـ أنفسَهم ضحية تشويه صورة الوطن و مؤسساته بالأساطير التي يروجها المُغرِضون أو بالحكايات التي نسجتها أوهام العائدين من رابعة و النهضة تحت تأثير الصدمة و الخوف الذى تَمَلَّكَهم .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق